الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
194
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
تعرضت الآيات أعلاه إلى موضوعين من أهم المواضيع المتعلقة بحياة البشر . على أنهما آيتان من آيات الله وهما مسألة ظلمة الليل ومسألة الشمس ونورها . قلنا سابقا أن النور من ألطف وأكثر موجودات العالم المادي بركة . وليس لإضاءتنا ومعيشتنا فقط فكل حركة ونشاط مرتبط بنور الشمس ، نزول قطرات المطر ، نمو النباتات ، تفتح البراعم ، نضوج الثمار والفواكه ، خرير الجداول ، تلوين مائدة الطعام بأنواع المواد الغذائية ، وحتى حركة عجلة المصانع العظيمة ، وتوليد الطاقة الكهربائية ، وأنواع المنتجات الصناعية ، كلها تعود في أصلها إلى هذا المنبع العظيم للطاقة ، أي نور الشمس . وخلاصة القول فإن جميع الطاقات على سطح الكرة الأرضية - عدا الطاقة الناجمة عن تفجير الذرة - جميعها تستمد وجودها من نور الشمس ، ولولا الأخير لخيم الصمت والموت على كل مكان . ظلمة الليل مع أنها تذكر بالموت والفناء ، فإنها تعد من الأمور الحياتية الهامة في حياة البشر ، لأنها تعدل نور الشمس وتؤثر عميقا في راحة جسم وروح الإنسان ، والمنع من المخاطر الناجمة عن تسلط أشعة الشمس بشكل متواصل ومستمر ، بحيث لو لم يكن الليل عقيب النهار لارتفعت درجة الحرارة على سطح الأرض إلى درجة أن الأشياء جميعا تأخذ بالإشتعال والاحتراق ، كذلك في القمر حيث الليالي والأيام طويلة ( كل ليلة هناك تعادل حوالي خمسة عشر يوما بلياليها على الأرض ، كذلك الحال بالنسبة للنهار ) فحرارة النهار قاتلة ، وبرودة مجمدة . وعليه فإن كلا من " النور والظلام " آية إلهية عظيمة . ناهيك عن أن النظام المتناهي الدقة الذي يحكمهما ، أدى إلى تنظيم تأريخ حياة البشر ، ذلك التأريخ الذي لولا وجوده لتفتتت الروابط الاجتماعية ، وأصبحت الحياة بالنسبة إلى البشر أشبه بالمستحيل ، وبذا فإن كلا من " النور والظلام " آيتان إلهيتان من هذه الناحية أيضا .